Saturday, August 19th, 2017

مقالة للدكتور سليمان ربضي مدير المدرسة بعنوان “المدرسة اللسالية: هل تمتلك رؤية معاصرة؟”

ديسمبر 14, 2011 by  
تحت قسم مقالات وتقارير

عندما بدأ القديس يوحنا دي لاسال مشروعه التربوي الذي استهدف بالأساس الفقراء والمهمشين في المجتمع، شكل هذا المشروع تحديا كبيرا لسلطة الفئة الحاكمة التي ثار عليها شخصيا وأخلاقيا، لأن المعرفة في عصره كانت مقتصرة على أبناء الأغنياء وحكرا لهم. وجاء القديس يوحنا دي لاسال ليعلم الأطفال من كافة الفئات بهدف بنـاء الإنسان علميا ومعرفيا وروحيا ليكون إنسانا فاعلا في مجتمعه يمتلك ماضيه وحاضره ومستقبله.

في السابق كان العلم أداة في يد الحاكم والطبقة الحاكمة واعتبرأفضل وسيلة لإخضاع الفئات والطبقات الدنيا. وفي العصور الحديثة بدأت عملية تعميم التعليم للفئات المختلفة، إلا أن هذا التعميم، رغم أن هدفه المعلن هو إعطاء فرص متكافئة لتمكين المواطنين من أدوات مواجهة الحياة، إلا أنه أدى إلى تحول المدرسة إلى أداة لفرض سلطة الحكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا ، رأسماليا أو اشتراكيا، فلم يتغير الحال إلا بالشكل.  ولعل الأقوى هو الذي يشكل النظام السياسي، والنظام السياسي يشكل بدوره نظام التعليم ويقويه ليكون أداة طيعة في خدمة النظام السائد. فالمدرسة بدأت في الابتعاد عن الهدف الأساسي، وهو الإنسان وتلبية احتياجاته المعرفية والأخلاقية والروحية، باتجاه تحويل المعرفة إلى سلعة وتحويل التعليم لأداة بيد الأقوى والسلطة المتنفذة ليخدم مصالح هذه الفئة .

هدف أساسي

وحسب مفاهيم المشروع اللسالي يجب أن يكون الهدف الأساسي من التعليم هو الإنسان وعائلته وبيئته وذلك من أجل إعداد الطلاب وتهيئتهم ليكونوا بناة الحياة الاجتماعية والهوية الجماعية والتاريخ الروحي والاجتماعي والفكري لمجتمعهم، ومن ثم تعليمهم المبادئ والقيم والحكمة النابعة من ثقافتهم وحضارتهم. فمثل هذا التعليم يضمن طرقا جديدة للتأكيد على قيمة المتعلم الثقافية والحضارية والإنسانية في واقع متعدد الثقافات. كما يؤدي إلى تحقيق الذات، وتحفيز الإبداع من خلال ربطه بالعلم والتكنولوجيا والفن! وتكون رسالته الاجتماعية تدعيم وترسيخ الممارسة الكاملة للكرامة الإنسانية . هذا التعليم يؤكد ويضمن بأن تكون الأجيال القادمة مستعدة للتطور في مجتمعاتها، وفي بيئتها وفي العالم طالما أنه يؤكد على الاحترام المتبادل والخير العام والشفافية والتضامن وإحقاق الحقوق الاجتماعية والعدالة والعيش المشترك المبني على السلام والاحترام في إطار تنوع حضاري وثقافي للشعوب يحقق التوازن بين الفرد والمجتمع.

وبعد مرور 400 سنة على هذه الرسالة، هل ما زالت هذه الرؤية حية وتستطيع مواجهة تحديات العصر؟ وهل تمتلك عناصر تجددها ؟  نستطيع الجزم أن مؤسسة ، كجمعية أخوة المدارس المسيحية، التي عمرت  طوال هذه الفترة وما زال قلبها نابضا، وتشرف على أكثر من مليون طالب في جميع أنحاء العالم ، لا بد وأن تكون رؤيتها قوية ومتجددة ومستمرة وسابقة لعصرها كما كان الحال دائما.

نحن في مدارس الفرير في الأراضي المقدسة نشعر بهذه التحديات، ونعتقد أن التحدي الأكبر، في إطار هذه الشراكة التي تم التأسيس لها بين الأخوة الفرير والعلمانيين، هو الارتقاء لمستوى رؤية المؤسس وجمعية أخوة الفرير ومواجهة تحديات العصر بعقلية حضارية ، حداثية ، ولكن راسخة بقيم اجتماعية وأخلاقية وروحية قوية.

مفهوم الشراكة

إن مفهوم الشراكة بين الأخوة الفرير والعلمانيين يكمن في جوهر التجدد الذي أحدثته الجمعية في إدارتها للمدارس وفي رؤيتها التربوية، وإن عبر هذا المفهوم عن شيء إنما يعبر عن استجابة للتحديات دون خوف. هذه الشراكة تواجه بعض الانتقادات من الذين يحلو لهم العيش في قوقعة الماضي وعدم إدراك أهمية مشاركة كافة العاملين في المدرسة اللسالية في انجاز هذا المشروع الذي كان متقدما على عصره في حينه وما زال متقدما في ظل كافة نظريات التعليم والتعلم الحديثة اذا ما تعاملنا معه بوفاء لرؤيته.

إن هذه الشراكة طورت العمل التربوي الأكاديمي وأبقت على جوهر توجه مدارس الفرير. لذلك بقيت المدارس وفية لنشر التعليم والمعرفة المميزة وتربية الأجيال دون تمييز لفئة دون أخرى ، مما ساهم في جعل مدارس الفرير نموذجا للعيش المشترك وسدّا منيعا أمام محاولات التفرقة التي كانت تسعى للحيلولة دون تربية أجيال منفتحة وحرة ومؤمنة.

خدمة المهمشين

بقيت مدارس الفرير وفية لاستقبال الطلاب من كافة فئات المجتمع ولم تقم بالإبقاء فقط على المميزين منهم كما تفعل مدارس كثيرة حفاظا على سمعتها. وارتبط تميز مدارسنا لا بالحفاظ على الطلاب فحسب، بل بالارتقاء بهم جميعا كل حسب قدراته وامكانياته. واليوم تواجه هذه المدارس معضلة عدم دعم الدولة لها، كما يحصل في كل الدول التي تجبي الضرائب من مواطنيها، فاضطرت لتحصيل الرسوم المدرسية لتستمر في عطائها. ولكنها تسعى جاهدة بأن لا تجعل هذه الرسوم حجة لعدم استقبال الطلاب الفقراء، لذلك فهي تسعى دائما وضمن امكانياتها إلى توفير المنح لمستحقيها وخلق برامج لدعم الطلاب ممن لديهم إعاقات وصعوبات التعليم، والطلاب الذين يعانون بسبب بيئتهم الاجتماعية تحقيقا للرسالة اللسالية. فلا تبخل مدارس الفرير في الإنفاق على مثل هده البرامج حتى لوكانت على حساب عجز ميزانياتها لأهميتها في مساعدة هؤلاء الطلاب.

التعليم الشامل

تحاول مدارس الفرير أن تكون وفية لمفهوم التعليم الشامل للطفل لمساعدته على تكوين شخصية متكاملة معرفيا واجتماعيا وروحيا . ويلاقي هذا النوع من التعليم انتقادات ممن لا يرون في العملية التعليمية سوى تحصيل علامات مع أنها لا تعبرفي أغلب الأوقات إلا عن محدودية التعليم والتعلم في العصر الحديث. غير أن المنحنى الشامل الذي تتبناه مدارس الفرير يتعامل مع جوانب عديدة من شخصية الفرد؛ فعلى المستوى المعرفي مثلا يتم طرح برامج نوعية ومميزة إلى جانب الاهتمام باللغات.وتنأى المدرسة بنفسها عن أسلوب التلقين وتوفر فرصا متكافئة للطلاب كي يرتقوا بأنفسهم دون أن تلجأ إلى “تصفيتهم” في منتصف الطريق.

أما على مستوى شخصية الطالب، تحاول المدرسة من خلال أنشطتها المتنوعة (الرياضية، الفنية، الموسيقية، العلمية) بناء شخصية الطالب ، وتفجير مواهبه الشخصية ، التي تساعده على التكيف مع أترابه ومع مجتمعه بشكل عام.  كذلك تتفاعل المدرسة في إطار هذه الأنشطة مع بيئتها المحلية وتبني جسورا مع المدارس الأخرى في إطار سياسة الانفتاح. وهذه السياسة تمثل إحدى الركائز الأساسية  لمدارس الفرير في كل أماكن تواجدها .

أما على مستوى بيئة المدرسة نفسها، فإن إدارة المدرسة تحاول دائما أن تخلق بيئة إيجابية وبناءة تُراعى فيها الفروق الفردية للأفراد واحتياجاتهم النفسية والروحية، ويتم العمل على تثمين ثقتهم بأنفسهم واعتزازهم بتاريخهم وهويتهم الوطنية والدينية في إطار احترام الاختلاف مع الآخرين .

إن العمل على هذه الجوانب الثلاثة المهمة في واقع المدرسة هو الذي يجعل المدرسة اللاسالية حداثية وعصرية وتلبي احتياجات الطالب وأهله والمجتمع بشكل عام.  لذلك فإن التعاون بين إدارة المدرسة  والأهل والمعلمين والطلاب في إطار هذه التنمية الشاملة أمر حيوي ويؤدي إلى إنتاج طالب مسؤول ومميز وعنصر فاعل في مجتمعه . ولعل الاستمرار بتحويل العملية التعليمية الى مجرد امتحان في نهاية سنوات تعلم الطالب بحيث يُقيّم على أساس نتيجته يمثل جريمة بحق إنسانية المتعلم. وعلى هذا الأساس يجب أن نسارع نحو إلغاء النظام القائم انسجاما مع التحولات التي يشهدها العالم العربي وخلق ثورة تعليمية موازية تأخذ باعتبارها كرامة المتعلم وأهميته في تحرير أمته وبناء مستقبلها.

سليمان ربضي