Friday, March 24th, 2017

مقابلة مع الأخ إيميل عقيقي حول تجربته الغنية كفرير

يناير 9, 2012 by  
تحت قسم مقالات وتقارير

في لقاء مع الأخ إميل عقيقي على هامش مؤتمر الإبداع والتميز التربوي، دار بيننا حديث شامل حول القضايا المطروحة التي تهم المدعوين المشاركين من عدة دول عربية من بينها فلسطين. وكمنسق لمدارس دي لاسال في لبنان مشارك في المؤتمر أعرب عن سعادته للتحدث معي كمشاركة ضمن وفد من مدرسة الفرير في القدس ورئيسة تحرير The Essenceخاصة وأنه كان قد عاش في القدس وخدم في مدرستنا ثماني سنوات.

تجربة طويلة وغنية

حول سيرته الذاتية، قال: “ولدتُ في كفر دبيان في منطقة كسروان في لبنان عام 1937 وقضيت طفولتي في “الضيعة” وانضممت إلى الرهبنة مبكرا عام 1948 على يد الأخ برنارد روك صاحب الخبرة الطويلة في التربية والموسيقى والإدارة التربوية. حيث جاء  لزيارة ضيعتنا وسأل عمن يرغب بالانضمام إلى الرهبنة. وقد أعربت أنا وأخي عن رغبتنا بذلك، ولكن الأخ برنارد أخذ بيدي ورفض أخي.

كانت دراستي الابتدائية والثانوية في بيت مري ومن ثم انتقلت إلى مدينة بيت لحم لمواصلة دراستي الاكليريكية. وخلال الفترة اللاحقة أكملت تعليمي كأخ في بيروت وبيت مري وحصلت على ليسانس في علم التربية من جامعة ليون الفرنسية، كما حصلت على شهادة في التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي . وفي أثناء دراستي في جامعة ليون، عملت كمعلم للغة الفرنسية والتعليم المسيحي للصفوف الصغيرة. وكان يقع على عاتقي مرافقة الطلاب للمناولة الآولى كل عام وإلى القداس الإلهي كل صباح.

وقد انتقلتُ إلى القدس عام 1962 وعملتُ كمعلم للغة الفرنسية للصفوف الإبتدائية والإعداية والتعليم المسيحي للصفوف الإعدادية والثانوية. وفي ذلك الوقت كانت مسؤولية تعليم التربية المسيحية منوطة بالأخوة الفريرات. وبعد عامين من عملي في القدس تم تنصيبي مسؤولا عن المرحلة الإبتدائية.

وفي عام 1970 انتقلتُ إلى طرابلس حيث شغلتُ منصب مسؤول عن مدرسة مار يوسف المجانية وكنت منسقا تربويا واجتماعيا لكل المدرسة. وقد تطلب ذلك تواجدي في معظم الفعاليات التربوية ومتابعة أنشطة جوقة المدرسة. وفي عام 1971 تم اختياري منسقا تربويا في مدرسة جديدة أسسها المطران أنطوان عبد ووضعها تحت إدارة الفريرات التربوية. شغلتُ هذا المنصب طوال عامين كنت خلالهما مسؤولا عن النشاطات اللامنهجية والدينية وجوقة المدرسة.

وفي عام 1973 بقيتُ في طرابلس ولكنني كنت أتابع دراستي (العلوم التربوية للفئة التكميلية) في بيروت. وفي عام 1974 عُيّنت مدير مدرسة السيدة في بيت مري وبقيت هناك ست سنوات متتالية ثم سافرت إلى فرنسا للمشاركة في دورة خاصة بإعادة النظر في المفاهيم التربوية.

وفي عام 1981 طُلِب مني تأسيس مدرسة جديدة في كفر ياشيت – منطقة زغرتا الزاوية وبقيتُ هناك طوال ستة عشر عاما بدءا من شراء الأرض وحتى تشييد المبنى وتجهيزه بكل ما يلزم لممارسة العمل التربوي والتعليمي. بعد ذلك انتقلتُ عام 1997 إلى عمان كمدير لكلية دي لاسال عمان وبقيت فيها مدة اثنتي عشرة سنة عملت خلال أربع سنوات منها منسقا للأراضي المقدسة. وهذه الأيام أخدم في مون لاسال كمسؤول عن الفريرات من فئة العمر الثالث كما انتُخِبت كمنسق لمدارس الفرير في لبنان. ولدي الآن عشرة أخوة في سن التقاعد.

مهام صعبة

وعن الحياة في القدس، قال: “عندما وصلت القدس عام 1962 كانت المدرسة تعمل بالنظام الداخلي، وخلال الدوام المدرسي الطويل كنت أعلّم اللغة الفرنسية والتربية الدينية وأشرف على الأنشطة اللامنهجية، بما في ذلك جوقة المدرسة والدراما، وتلك المرتبطة بالصلاة والمناسبات الدينية المختلفة. وقد أنتجنا الكثير من المسرحيات أذكر من بينها “صلاة الملائكة”. كما تمكّنتُ من إشراك الأهل في العملية التعليمية. أما في فترة ما بعد الظهر، كنت أعتني بالطلبة المقيمين في المدرسة. وقد وجدت آنذاك أن مستوى الطلبة عال جدا حيث تم تخريج أجيال رائعة أصبحوا فيما بعد من القادة المرموقين والرواد الكبار في مجالات التخصص المختلفة. وفي حزيران عام 1967 بينما كنت أساعد الطلاب خلال فترة الإمتحانات النهائية، إندلعت الحرب وأبلغتُ الطلبة بأن عليهم العودة إلى منازلهم. في تلك الفترة بقينا طوال عشرة أيام تحت الأرض لا رفيق لنا سوى الصلوات والخوف، وقد تحطمت نوافذ المدرسة من شدة الرصاص المنهمر عليها. ولكونه رجل دين أوكل إليه الصليب الأحمر مهمة نقل الجرحى وتفقد السكان وتأمين حاجاتهم. لم أخش القيام بهذه المهمة لأنها مهمتي في هذه الحياة. ساعدتُ الكثير من الناس وصليت من أجلهم. وهنا يحضرني ما جرى في منطقة قريبة من شعفاط عندما وجدنا عشرين جثة إضطررنا إلى حرقها. هذه الفترة كانت من أصعب الأوقات التي عشتها في حياتي، ولكنني سعيد جدا لأنني استطعت أن أخدم الناس في المجتمع المقدسي. ومع ذلك أشعر بالأسف للضحايا الذين سقطوا في تلك الحرب.

وحول ما إذا كان قد ندِم باتخاذه قرار الرهبنة، قال: “أبدا، ولو أعيدَ الزمن إلى الوراء لاتخذتُ نفس القرار وقمت بنفس المهام وخصوصا على صعيد التربية والتعليم. ومع أن الأهل آنذاك قد وافقوا على هذا القرار وفرحوا لي، إلا أنني عندما غادرت البيت وتركت خمسة أخوة وثلاث أخوات حزنت والدتي كثيرا لأنني كنتُ صغيرا ولا يتجاوز عمري الحادية عشرة. وخلال فترة غيابي كانت والدتي تفتقدني كثيرا غير أنها لم تعش طويلا حيث ماتت حزنا على شقيقي الذي توفي في سن العشرين ورحلت بعده بعام. وقد أوصتني وهي على فراش الموت بأن أواصل دربي فيما اختاره الله لي. أما والدي فقد طلب مني التفكير مليا في اختيار طريقي وكان يؤثر أن أصبح كاهنا وليس أخا مع أنه لم يفصح عن ذلك علنا.

السباحة ضد التيار!

هنا قاطعته وسألته عما إذا كان يحن إلى حياة العائلة وإنجاب الأطفال، فقال: “جميع من علمتهم هم عائلتي وأنا أب لأكثر من جيل”. وعن حياة الفرير، قال: “تشبه حياة الفرير السباحة ضد التيار. فهناك صعوبات بيننا نحن الأخوة حيث نمر بفترات تشهد الكثير من التقلبات، لكن يجب أن لا ننسى بأن على الفرير أن يشعر بالفرح كي يُسعد كل من يحيطون به صغارا وكبارا. هنا فقط أشعر بأنني أسبح مع تيار المحبة والفرح وليس ضده كما يعتقد الآخرون. ويحضرني ترتيلة مما ألّفت ولحّنت: كنت أعمى لا أرى أين الطريق إلى أن وجدتكَ نعم الصديق. يا إلهي! يا إلهي! يا إلهي! صرخة من الأعماق يا إلهي! هذه الترتيلة تعبر عما يجول في داخلي من تساؤلات ربما لم تكتمل أجوبتها بعد. كنتُ قنوعا وأقبل بالعمل في أي مكان أرسَلُ إليه. وأكثر الأماكن التي جلبت السرور إلى قلبي هي كفر ياشيت لأنني شرعت بتنفيذ مشروع مهم فيها حيث اشتريتُ قطعة أرض وبنيت عليها مدرسة. كما أنني شعرت بالسعادة خلال عملي في القدس بالرغم من الألم الذي جلبته الحرب.

وعما إذا كان هناك أمنية لم يستطع أن يحققها خلال مسيرته الطويلة، قال: “لقد أحببت المسيح كثيرا، ولكنني أتمنى لو أنني أحببته أكثر”. وحول نصيحته للشباب قال: “أشكروا الله لأنه أمدّكم بالحياة! ولا تتذمروا مما أعطته لكم الحياة في هذا الزمن الصعب! فالله رحيم غفور ويعرف ما هو الأفضل لنا وللإنسانية. أنتم في الغد آباء فهيّئوا أنفسكم من اليوم لحمل هذه الرسالة! واجهوا الحقيقة وكونوا صادقين مع أنفسكم ومع غيركم! فهذه هي القوة والسعادة.

أجرى الحوار:غدير بشارة